أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
250
العقد الفريد
فانتهى خبره إلى عبد اللّه بن جعفر ، فلم يكن له هم غيره ، فحج فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم ، وأمر قيّمة جواريه أن تزيّنها وتحلّيها ففعلت ؛ وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه ، فقال : مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا ؟ فأخبر الشيخ ، فأتاه مسلّما . فلما أراد أن ينهض استجلسه ، ثم قال : ما فعل حبّ فلانة ؟ قال : في اللحم والدم والمخ والعصب . قال : أتعرفها لو رأيتها ؟ قال : لو أدخلت الجنة لم أنكرها . فأمر بها عبد اللّه أن تخرج إليه ، وقال له : إنما اشتريتها لك ، وو اللّه ما دنوت منها ، فشأنك بها مباركا لك فيها . فلما ولى قال : يا غلام ، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها . قال : فبكى عبد الرحمن فرحا وقال : يأهل البيت ، لقد خصّكم اللّه بشرف ما خصّ به أحدا قبلكم من صلب آدم ، فتهنئكم هذه النعمة ، وبورك لكم فيها . ومن جوده أيضا أنه أعطى امرأة سألته مالا عظيما ، فقيل له : إنها لا تعرفك وكان يرضيها اليسير . قال : إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي . جود سعيد بن العاص ومن جود سعيد بن العاص أنه مرض وهو بالشام ، فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السّمط ، ومسلم بن عقبة المرّي ، ويزيد بن شجرة الرّهاوي . فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما لمعاوية ، فقال له معاوية : أقسمت عليك أبا عثمان ألا تتحرّك ، فقد ضعفت بالعلة . فسقط ؛ فتبادر معاوية : نحوه حتى حنا عليه ، وأخذ بيده فأقعده على فراشه وقعد معه ، وجعل يسائله عن علّته ومنامه وغذائه ، ويصف له ما ينبغي أن يتوقّاه ، وأطال القعود معه ؛ فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السّمط ، ويزيد ابن شجرة ، فقال : هل رأيتما خللا في مال أبي عثمان ؟ فقالا : ما رأينا شيئا ننكره . فقال لمسلم بن عقبة : ما تقول ؟ قال : رأيت . قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة ، ورأيت صحن داره غير مكنوس ، ورأيت التجّار يخاصمون